شمس الدين السخاوي
182
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = - وحكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع ! فأسرف ، ولذا تعقبه الزركشي ، والسيوطي ، وغيرهما . - والصواب فيما ظهر لنا من خلال جمع طرق الحديث أنه حسن لغيره ، وهذا أدنى أنواع الحديث الذي يستدل به ، ويقبل الاحتجاج ، وينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة الجزم ، والله أعلم . يبقى بعد هذا كله : الكلام على معنى المسكنة الواردة في الحديث ، وقد بيّنها جماعة من العلماء ، وإليك أقوال بعضهم : - قال الداودي في « الأموال » ( ص 348 ) بعد سياق الحديث : « فإن ثبت هذا في النقل ، فمعناه : أن لا يجاوز به الكفاف ، أو يريد الاستكانة إلى الله - تعالى - » . - وقال ابن تيمية في « مجموع الفتاوى » ( 18 / 382 ) في شرحه لهذا الحديث : « فالمسكين المحمود هو : المتواضع الخاشع لله ، ليس المراد بالمسكنة عدم المال ، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال ، وهو جبّار ، فالمسكنة خُلُق في النفس ، وهو التواضع والخشوع ، واللَّين ضد الكبر . . . » . - وذكر ابن الأثير في « النهاية » ( 2 / 385 ) هذا الحديث ، وقال في شرحه : « أراد به التواضع والإخبات ، وأن لا يكون من الجبّارين المتكبرين » ، ثم وجدت هذا المعنى عند الخطابي في « شأن الدعاء » ( ص 194 - 195 ) . - وبنحو هذا قال تاج الدين السبكي ، فنقل عنه ابنه في « طبقات الشافعية » ( 3 / 134 ) ما نصه : « وكان - رحمه الله - يقول في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « اللهم أحيني مسكيناً » : إن المراد به استكانةُ القلب ، لا المسكنة التي هي أن يجد ما لا يقع موقعاً من كفايته . وذكر ذلك في باب الوصية من « شرح المنهاج » وسمعتُه منه كذا وكذا مرات ، لا أُحصي لها عدداً » . ثم عقّب عليه بما يُؤيّده بكلامٍ بليغٍ حسن ، فقال : « وكان - رحمه الله - يشدّد النكير على من يعتقد ذلك ، والحق معه - رضي الله عنه - فإن من جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض ، وكان قادراً على تناول ما فيها كلّ لحظةٍ ، كيف يوصف بالعدم ؟ ونحن لو وجدنا من معه مال جزيل في صندوق من جوانب بيته ، لوسمناهُ بسمةِ الغَناءِ المفرط ، مع العلم بأنه قد يُسرقُ أو تغتاله غوائلُ الزمانِ ، فيُصبح فقيراً ، فكيف لا يُسمّى من خزائن الأرض بالنسبة إليه أقرب من الصندوق بالنسبة إلى صاحب البيت ؟ ! وهي في يده بحيث لا تتغيّر ، بل هو آمن عليها ، بخلاف صاحب الصندوق ، فما كان - صلى الله عليه وسلم - فقيراً من المال قط ، ولا مسكيناً . نعم ، كان أعظم الناس جؤاراً إلى ربه وخضوعاً له ، وأشدَّهم في إظهار الافتقار إليه ، والتّمسكُن بين يديه » . =